ابن قيم الجوزية

371

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

الحركتين عنه دون الأخرى ، لا يحتاج إلى مرجّح ، بل من شأن القادر أن يوقع الفعل من غير مرجح لجانب وجوده على عدمه ، قالوا : ولا استبعاد في العقل في وجود مخلوق متمكن من الفعل بدلا عن الترك ، وبالضد من غير مرجح ، كما أن النائم والساهي يتحركان من غير داع وإرادة ، فإن قلتم : بل هناك داع وإرادة ، لا يذكرها النائم والناسي ، كان ذلك مكابرة ، قلت : وأصحاب هذا القول يقولون : إن القادر هو الذي يفعل مع جواز أن لا يفعل ، وأصحاب القول الأول يقولون : بل يفعل مع وجوب أن يفعل ، ومحمود الخوارزمي توسّط بين المذهبين ، وقال : بل يفعل مع أولوية أن يفعل . ولا ينتهي الترجيح إلى حد الوجوب ، فالأقوال خمسة : أحدها : أنّ الفعل موقوف على الداعي ، فإذا انضمت القدرة إليه ، وجب الفعل بمجموع الأمرين ، وهذا قول جمهور العقلاء ، ولم يصنع ابن الخطيب شيئا في نسبته له إلى الفلاسفة وأبي الحسين البصري من المعتزلة . الثاني : أن الفعل يجب بقدرة اللّه وقدرة العبد ، وهذا قول من يقول : إن قدرة العبد مؤثرة في مقدوره مع قدرة اللّه على عين مقدور العبد ، وهذا قول أبي إسحاق ، واختيار الجويني في النظامية . الثالث : قول من يقول : يجب بقدرة اللّه فقط ، وهذا قول الأشعري والقاضي أبي بكر ، ثم اختلفا ، فقال القاضي : كونه فعلا واقع بقدرة اللّه ، وكونه صلاة أو حجا أو زنا أو سرقة واقع بقدرة العبد ، فتأثير قدرة اللّه في ذات الفعل ، وتأثير قدرة العبد في صفة الفعل ؛ وقال الأشعري : أصل الفعل ووصفه واقعان بقدرة اللّه ، ولا تأثير لقدرة العبد في هذا ولا هذا . الرابع : قول من يقول : لا يجب الفعل من القادر البتة ، بل القادر هو الذي يفعل ، مع جواز أن لا يفعل ، فلا ينتهي فعل القادر المختار إلى